الشيخ الطبرسي
386
تفسير مجمع البيان
وارتفعت الشبه ، ولزمتكم الحجج العقلية والسمعية ، فالعقلية : ما في فطرة العقول ، والسمعية : دعوة الرسول المؤيدة بالأدلة المؤدية إلى المدلول . والذي يبين هذا قوله : ( هو الذي ينزل على عبده ) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ( آيات بينات ) أي حججا منيرة ، وبراهين واضحة ( ليخرجكم ) الله بالقرآن والأدلة . وقيل : ليخرجكم الرسول بالدعوة . وقيل : ليخرجكم المنزل . والأول أوجه ( من الظلمات إلى النور ) أي من الكفر إلى الإيمان بالتوفيق والهداية والألطاف والأدلة . ( وإن الله بكم لرؤوف رحيم ) حين بعث الرسول ونصب الأدلة . والرأفة والرحمة واحد ، وإنما جمع بينهما للتأكيد . وقيل : الرأفة النعمة على المضرور ، والرحمة النعمة على المحتاج . وفي هذا دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر ، فإنه بين أن الغرض في إنزال القرآن الإيمان به . ثم حثهم سبحانه على الانفاق فقال : ( وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ) أي : أي شئ لكم في ترك الانفاق ، فيما يقرب إلى الله تعالى . ( ولله ميراث السماوات والأرض ) يعني يفني الخلق ، ويبقى هو ، والمعنى فيه أن الدنيا وأموالها ترجع إلى الله ، فلا يبقى لأحد فيها ملك ، ولا أمر ، كما يرجع الميراث إلى مستحقيه . فاستوفوا حظكم من أموالكم ، قبل أن تخرج من أيديكم . ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) بين سبحانه أن الانفاق قبل فتح مكة ، إذا انضم إليه الجهاد أكثر ثوابا عند الله ، من النفقة والجهاد بعد ذلك . وذلك أن القتال قبل الفتح ، كان أشد ، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمس . وفي الكلام حذف تقديره : لا يستوي هؤلاء مع الذين أنفقوا بعد الفتح . فحذف لدلالة الكلام عليه . وقال الشعبي : أراد فتح الحديبية . ثم سوى سبحانه بين الجميع ، في الوعد بالخير والثواب في الجنة فقال : ( وكلا وعد الله الحسنى ) أي الجنة والثواب فيها ، وإن تفاضلوا في مقادير ذلك ( والله بما تعملون خبير ) أي لا يخفى عليه شئ من إنفاقكم ، وجهادكم ، فيجازيكم بحسب نياتكم ، وبصائركم ، وإخلاصكم في سرائركم . ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له وله أجر كريم ( 11 ) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنت تجرى